فاطمة..المرأة التي أبكت المركز الصحي - سوريا للإغاثة والتنمية SRD
فاطمة..المرأة التي أبكت المركز الصحي

فاطمة..المرأة التي أبكت المركز الصحي

Facebook Share

ربما يتبادر إلى ذهنك وأنت تقرأ هذه السطور أن صاحبها نسجها من وحي الخيال، أو أنها إحدى روايات علي بابا، ولكني أؤكد لك بأنها قصة حقيقية وواقعية في جميع تفاصيلها وأحداثها.

تدور أحداث القصة لامرأة نازحة من إحدى قرى ريف إدلب الجنوبي، في عقدها الثالث من العمر، متزوجة ولديها خمسة أطفال، تدعى فاطمة.

فاطمة التي تتحمل من الضرب من قبل زوجها مالا يطيقه البشر، يضربها لأتفه الأسباب، أو حتى دون وجود سبب، إذا غضب من سوء المعيشة يضربها، وإذا غضب من الجيران يضربها، وإذا غضب من الأطفال يضربها ويضرب الأطفال، وإذا حاولت الهرب يسرع باللحاق بها ويزيد في ضربها.

تقول فاطمة: " عندما تبدأ رحلة الضرب فإني أبدأ بالصراخ من الألم، ولعل أحداً يسمع مابي ويأتي ليخلصني من براثن هذا الوحش"، وتضيف أيضاً: " في كثير من الأحيان كان يقوم بضرب والديه إن اعترضوا على تصرفاته وبطشه".

لم يكن يوجع فاطمة الضرب فقط، وإنما كان أكثر إيلاماً لإنسانيتها سيل عارم من السباب والشتائم والكلمات البذيئة لها ولأطفالها. بعد نزوح العائلة زاد الوحش في غضبه وشراسته بسبب سوء الأوضاع، وتبقى فاطمة هي الضحية الوحيدة، فقد أصبح الضرب جنونياً، لدرجة أنه تسبب في كسر يدها، وأحياناً شج رأسها. وبعد أن يبلغ القهر مداه، تهرب فاطمة هائمة على وجهها، تبث حزنها إلى الروابي والأشجار، تبثه مصممة على عدم العودة، ثم ما تلبث أن تذكر أطفالها الخمسة، فتعود ليزيد الزوج في غطرسته وعقابه.

بدأت معرفتنا نحن - أحد المراكز الصحية التي ترعاها SRD في ريف إدلب - بفاطمة، عندما جاءت مسرعة باكية بعد أن قام زوجها بطعنها عدة طعنات بسكين حادة الليلة الماضية، فقط لأنها حاولت الإطمئنان على أهلها عبر برنامج الواتس آب، بعد انقطاع دام أربع سنوات.

تم تحويلها مباشرة إلى قسم الإسعاف والضماد في المركز، لتقوم إحدى الممرضات بخياطة جراحها وتضميدها. بكت فاطمة كثيراً أثناء معالجة جراحها، حتى كادت عبراتها أن توقف قلبها عن الخفقان، وهي تهمس بصعوبة إلى الممرضة:" شكراً لك على معالجة جراحي، ولكن هذه الجراح لا تؤلمني، جراح الفؤاد أشد إيلاماً "، تكمل والحزن يقطع أوصالها:  "من لي بمن يداوي جراح هذا القلب، ويجبر كسر خاطري".

عندها أسرعت إحدى الممرضات باكية إلى هناء المرشدة النفسية في المركز لتخبرها القصة، وماهي لحظات حتى وصلت هناء، لتجد أمامها امرأة في حالة هستيرية من البكاء، وبسرعة بدأت هناء بمسح دموع فاطمة بحنان، وتقول لها كفي عن البكاء يا عزيزتي، نحن هنا جميعاً في خدمتك ونسمع منك ونساعدك، لتأخذ هناء بيد فاطمة وتمشيان إلى غرفة الإرشاد الخاصة، لتبدأ فاطمة بدموعها وعبراتها بسرد قصتها.

تقول هناء:  "بصراحة أنا كمرشدة يجب أن أبقى قوية واثقة بنفسي أمام الحالات المرضية، ففاقد الشيئ لا يعطيه، إلا أن فاطمة حطمت هذه القاعدة"، تكمل بألم عميق: " بصعوبة بالغة حافظت على قوتي وأخفيت عبراتي". أحست فاطمة بشيئ من الراحة بعد أن وجدت من يستمع لها ويتعاطف معها، وزاد سكينتها وجبة الطعام التي قدمتها لها هناء، بعد جوع دام يوماً كاملاً.

تكررت زيارات فاطمة إلى هناء، وركزت هناء في كل جلسة على إعادة الثقة إلى قلب فاطمة، كي تكون أكثر صلابة في مواجهة مصاعب الحياة، لتبقى قوية متماسكة لا تعرف اليأس أمام زوجها، منحتها هناء الأمل بسمتقبل أفضل، بعد أن يكبر أطفالها ويصبحوا حرزاً لها. تقول فاطمة: " علمتني هناء أن الحياة ليست كلها سوداء، ففيها الأبيض والأسود، وبالنسبة لي فإن أطفالي وأهلي وصديقتي هناء يمثلون بياض هذه الحياة"، تكمل بأمل: "علمتني أن أطفالي سيكبرون وسأعتمد عليهم في قابل الأيام، علمتني أن الله اختارني لهذا الإمتحان وتربية الأطفال، وأنا لن أفشل فيه".

فاطمة التي أبكت المركز الصحي، أصبحت اليوم صديقة حميمة لهناء وللمركز، تأتي كل فترة لتزيد من جرعة الصبر والإرادة، ولاتخرج حتى تملأ قلبها يقيناً بحياة ومستقبل أفضل.

أعود لتذكيرك بأن القصة واقعية في جميع تفاصيلها، مع الاحتفاظ بوهمية الاسم حرصاً على مشاعر فاطمة.

حقوق النشر 2017 © SRD. تصميم وتنفيذ شركة Boulevard Middle East